ضميته بقوة وقلت له: “لا يا حبيبي، الورقة فوقّتهم.. والوجع الحقيقي هو إن الواحد يعيش بقلب مبيحسش، مش بجسم تعبان.”<!--nextpage-->
في الليلة دي، ولأول مرة من يوم التشخيص، نمت وأنا مش خايفة. عرفت إن اللي بيحبني بجد هو اللي شالني وأنا بوققع، مش اللي استنى لما أقوم عشان يتسند عليا.
مرت الدقائق وهما واقفين في ذهول، وميغان بدأت ملامحها تتغير من البرود للارتباك وهي شايفة أمها مش عارفة تنطق كلمة واحدة.
أمي نزلت الورقة من قدام عينيها، وبصت لي بصة “انكـ,ـسار” ممزوجة بخزي، وقالت بصوت واطي: “إيه ده يا كلير؟ إنتِ مجهزة الكلام ده من قبل ما نيجي؟”
رديت عليها وأنا بحاول أصلب طولي وأنا لسه متغطية بالبطانية: “إيثان مش بس طفل عنده ٦ سنين، إيثان هو الشخص الوحيد اللي شافني وأنا برجع، وهو اللي شاف دينيس وهي بتشيلني من الحمام لما ركبي خانتني. هو شاف الحقيقة اللي أنتم قررتوا تغمضوا عينيكم عنها عشان حفلة خطوبة وعربية لقطة.”
ميغان حاولت تسترد قوتها وقالت بحدة: “يعني إيه ‘الائتمان صفر’؟ إنتِ بتهزري؟ إنتِ عارفة إن سجلك هو الوحيد اللي ينفعنا!”
ضحكت بمرارة وقلت لها: “الائتمان صفر بالنسبة لكم.. لأني سحبت كل مليم وقرضت كل سنت أملكه عشان أضمن إن إيثان ما يحتاجش لواحد فيكم لو أنا مشيت. أنا ضمنت مستقبله هو، مش رفاهية أختي اللي ما كلفتش خاطرها تسألني ‘خافرتي شعرك إمتى؟’.”
رون حاول يتدخل بصوت هادي مصطنع: “يا كلير، إحنا أهل، والمفروض نسند بعض في الأزم,,ات..”
قاطعته وأنا بشاور على الباب: “الأزمة كانت في الباركينج يا رون، الأزمة كانت في أول جلسة كيماوي، الأزمة كانت لما كنت محتاجة حد يمسك إيدي مش حد يمسك قلم عشان يخليني أمضي كفيل.”
بصيت لأمي اللي كانت لسه ماسكة الورقة، وقلت لها: “الورقة دي مش بس عشان الفلوس، دي إعلان استقلال. لو مت، المحامي عنده تعليم,,ات واضحة، ولو عشت -وهعيش إن شاء الله- هعيش لنفسي ولابني وللناس اللي عرفوا مكاني وأنا في عز ضلمتي.”
إيثان شد طرف كمي وقال ببراءة: “ماما، هما لسه هياخدوا الفلوس؟”
بصيت في عينه وقلت له: “لا يا حبيبي، الفلوس دي عشان مدرستك وعشان نلعب بيها لما أخف، هما بس كانوا جايين يسلموا علينا.. وماشيين حالاً.”
أمي سابت الورقة على التربيزة، وسحبت ميغان ورون من غير ولا كلمة. خرجوا من الباب وصوت قفلته كان أخف صدمة سمعتها في حياتي، كأن حمل تقيل انزاح عن البيت.
إيثان اتفرد جنبي على الكنبة، وحط راسه الصغير على كتفي، وهمس: “أنا بحبك يا ماما، حتى لو شعرك مش موجود.”
غمضت عيني ودموعي نزلت لأول مرة، بس مش دموع قهر، كانت دموع راحة. عرفت وقتها إن السـ,ـرطان اللي في جسمي ممكن يتعالج بالكيماوي، بس السرط,,ان اللي كان في حياتي.. “الورقة” دي هي اللي استأصلته للأبد.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.